حتى يخالطَ القرآنُ لحمَه ودَمَه!
حِينَ كُنَّا فِي المَعْهَدِ، أَسْدَى إِلَيْنَا شَيْخُنَا الحَبِيب، سَيِّدِي الشَّيْخ نِظَامُ الدِّين أَوْلِيَاء دِمْيَاطِي الحَافِظُ (حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى)، مَوْعِظَةً قَيِّمَةً فِي إِحْدَى الجَلَسَاتِ، كَانَ مِنْ بَيَانِهَا:
֍ ֍ ֍
«الحَمْدُ للهِ، الشُّكْرُ للهِ الَّذِي وَفَّقَنَا وَسَاقَنَا إِلَى هَذَا المَعْهَدِ المُبَارَكِ لِحِفْظِ كِتَابِهِ الكَرِيم، كَلَامِ اللهِ العَزِيزِ.
تَتَبَايَنُ أَهْدَافُ الطُّلَّابِ فِي مُدَّةِ خَتْمِ الحِفْظِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ هَدَفَهُ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ (وَهُوَ الغَالِبُ)، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْتَدُّ بِهِ المَسِيرُ إِلَى سَبْعِ سِنِينَ. وَلَكِنْ فِي الحَقِيقَةِ، كَمْ سَنَةً يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مُدَّةُ حِفْظِ القُرْآنِ؟
يَقُولُ أَحَدُ العُلَمَاءِ: إِنَّ أَمَدَ حِفْظِ القُرْآنِ الكَرِيمِ هُوَ مَدَى الحَيَاةِ. فَكَثِيرٌ مِنْ حَفَظَةِ كِتَابِ اللهِ يَقِفُ حِفْظُهُمْ عِنْدَ يَوْمِ الخَتْمِ فَقَطْ، ثُمَّ يَبْتَعِدُ القُرْآنُ عَنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَيَنْسَى اليَوْمَ جُزْءًا، وَغَدًا يَنْسَى آخَرَ، وَهَكَذَا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، حَتَّى يُفَارِقَ الحَيَاةَ وَهُوَ فِي عِدَادِ مَنْ كَانُوا حَفَظَةً لَا مَنْ هُمْ حَفَظَةٌ، فَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ...
فَكَيْفَ السَّبِيلُ لِنَحْيَا مَعَ القُرْآنِ؟
جَاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ:
مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي وَعَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ ... (رواه الترمذي والدارمي والبيهقي)[1]
فَالَّذِي يَحْيَا مَعَ القُرْآنِ حَقًّا هُوَ مَنْ يَظَلُّ مَشْغُولًا بِهِ لَا يَفْتُرُ عَنْ تِلَاوَتِهِ وَمُدَارَسَتِهِ.»
«يُحْكَى أَنَّ شَيْخًا يُدْعَى "الشَّيْخ عَبْد الرَّزَّاق" أَلَمَّ بِهِ مَرَضٌ ذَاتَ يَوْمٍ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ يَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ. جَلَسَ الرَّجُلُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَشَرَعَ يَقْرَأُ القُرْآنَ، فَغُشِيَ عَلَى الشَّيْخِ تَأَثُّرًا بِمَا يَسْمَعُ مِنْ آيَاتِ اللهِ. وَبَيْنَمَا كَانَ الرَّجُلُ يَقْرَأُ، أَخْطَأَ فِي آيَةٍ، فَسُبْحَانَ اللهِ! مَا إِنْ زَلَّ لِسَانُ القَارِئِ حَتَّى رَدَّهُ الشَّيْخُ وَصَوَّبَ لَهُ تِلَاوَتَهُ تِلْقَائِيًّا، وَهُوَ لَا يَزَالُ فِي إِغْمَائِهِ!
فَكَيْفَ بِحَالِنَا نَحْنُ عِنْدَمَا يَقْرَأُ أَحَدٌ بِجِوَارِنَا فَيَلْحَنُ فِي قِرَاءَتِهِ، هَلْ نَتَنَبَّهُ لِخَطَئِهِ وَنَحْنُ فِي كَامِلِ صَحْوِنَا وَيَقَظَتِنَا؟! سُبْحَانَ اللهِ! لَقَدْ تَمَكَّنَ القُرْآنُ مِنَ الشَّيْخِ حَتَّى صَارَ مُخَالِطًا لِعُرُوقِهِ وَلَحْمِهِ وَدَمِهِ؛ فَمَعَ أَنَّهُ كَانَ فِي غَيْبُوبَةٍ، إِلَّا أَنَّ قَلْبَهُ كَانَ حَيًّا بِيَقَظَةِ القُرْآنِ، يَرُدُّ اللَّحْنَ وَيُقِيمُ الاعْوِجَاجَ.»
֍ ֍ ֍
نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِالتَّوْفِيقِ وَالهِدَايَةِ، لِنَكُونَ مِنْ أَهْلِ القُرْآنِ الأُمَنَاءِ فِي حِفْظِ كَلَامِهِ العَزِيزِ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا القُوَّةَ عَلَى العَمَلِ بِهِ وَتَبْلِيغِهِ. آمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
֍ ֍ ֍

إرسال تعليق حول "حتى يخالطَ القرآنُ لحمَه ودَمَه!"